الابن الضال - 1
من كتاب توبني يارب فأتوب - للقس يوسف أسعد
Posted on: Tue, 23 Feb 2010 - 12:59 AM, Modified on: Sun, 05 Sep 2010 - 10:04 AM, Viewed: 36
{لو 15: 11 ? 32}
في هذا المثل الروائي يعرض سيدنا له المجد وقائع حادثة دُعي فيها الابن ضال لأنه ضل حقيقة، ودُعي الشاطر لأنه عرف كيف يرجع عن ضلاله، ودُعي الأصغر لأنه كان بطبع المثل أصغر أولاد أبيه.
رذائل الابن الضال:
كان مرائياً، أي أظهر بعكس ما كان بيطن، فاستخدم أقدس الكلمات وأعظمها في غير موضعها الصحيح، بل وضد استعمالها الصحيح. قال "يا أبي" وهو يفكر في ثروة أبيه لا في حبه! كان كابن أقرب إنسان إلى قلب أبوه، لكنه كان أكثر بعداً من العبيد لأبيه.
إن أقرب الناس إلى الله، قد يكونوا أكثرهم بعداً عنه.. لهذا تصرخ الكنيسة في بداية ونهاية الليتورجيا قائلة: "طهرنا من كل رياء".
وكان مطعوناً بسهام الكبرياء. إذ تعامل مع أبوه على أساس أنه شريك نداً بند، يطلب ماله، وأبوه لا يزال حياً!
كانت هذه الطعنة هي بداية ضلالته، وهي بداية قصة الضلال في كل الرجال الروحيين.
ثم أنه وقع في خطية التبديد. فربما كان الابن على مستوى المسئولية حينما طلب القسم الذي يخصه، لكن الذي حدث فعلاً أنه عندما صار المال ملكاً له لم يستثمره لينميه بل بدده تبديداً دل على فراغ شخصيته كفراغ قرن الحيوان الصلب.
كثيرون يقرعون بشدة على الأبواب يطالبون بحقوقهم ? مشروعة كانت أو غير مشروعة ? بدافع الطلب أو بدافع استغلال فرصة الطلب لاستعراض النفوذ السياسي والمقدرة على التسلط. ولكن حينما يعطون ما يطالبون به يبددوه غير مبالين بمسئولية. وغالباً الذين يقدرون المسئولية يهربون.
وحتى في تبديده للمال وقع أيضاً في خطية الاسراف. "بدد ماله بعيش مُسرف". ما أخطر هذه الخطية، إن هذه وحدها عقوبتها الموت في التشريع الإلهي: "إذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه، ويؤدبانه فلا يسمع لهما. يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلى شيوخ مدينته وإلى باب مكانه. ويقولان لشيوخ مدينته: ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكير فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. فتنزع الشر من بينكم ويسمع كل إسرائيل ويخافون" (تث 21: 18 ? 21).
لاحظ أيضاً أن ذلك الابن قد سقط في هذه الخطية لا في ماله الخاص بل في المال الذي من عرق أبيه وجهده. ربما ساعده على ذلك سفره إلى مكان بعيد، ليكون بعيداً عن أبيه ورعايته. وبالتالي توبيخه وتربيته.
وكل الذين يهربون من التأديب ويختارون لأنفسهم البعد عن رعاية الأب يحرمون أنفسهم بأنفسهم من بركة هذه الرعاية ثم يقعون فريسة لمن ليس له قلب الأب وحبه الصادق.
وفي ذلك المكان البعيد لم يعمل، لأنه لو عمل لكان إيراد عمله ستر اسرافه بعض الشيء، وحفظه أن يصل إلى حد انفاق كل شيء.
لقد اتكل على المال الذي لم يتعب فيه، وتراخى وكسل. "ويد الكسلان تفتقر". لقد قال الكتاب المقدس: "من لا يشتغل لا يأكل" (2تس 3: 10). ولذا كان طبيعياً أن يفتقر إلى خبز يومه، ويشتهي الخرنوب فلا يجده.
كما أنه في ذلك المكان البعيد رافق مجموعة من الأصدقاء الزناة، بدليل قول الابن الأكبر لأبيه "... ذلك الذي بدد معيشتك مع الزواني". هؤلاء الأصدقاء سلبوا ارادته نحو الزنا. "ورفيق الزاني يبدد مالاً" (أم 29: 3).
وربما صارت حالته أفضل لو أنه في المكان البعيد اختار أصدقاء صالحين.
ماذا صنعت فيه خطاياه؟:
لقد أصبح ميتاً.
وهذا التعبير "الموت" هو التعبير الصحيح عن حالة الإنسان الخاطيء المنفصل بإرادته عن الله مصدر كل حياة.
فالموت في المفهوم الأبوي ليس هو مفارقة روح الابن لجسده، فمثل هذا نسميه "انتقال"، لكن الموت الحقيقي هو اتصال الإنسان بالخطية وانفصاله عن الله. لهذا قال الأب في المثل "ابني هذا كان ميتاً ..."
ولكن ما هي مظاهر هذا الموت الروحي الذي بلغه الابن الضال؟
لقد أسقطته خطاياه من رتبة الابن إلى رتبة الأجير والعبد. فكل ما للأب هو للابن، يجمع معه، ويحفظ ماله من الضياع لأن كل خسارة يتعرض لها الأب هي خسارة للابن وعلى نفس المدى. لكنه سقط من هذه الرتبة الرفيعة، إلى رتبة أجير لأنه لا يبالي، لقد أخذ وبدد. ولذلك عندما قال الابن لأبيه "اجعلني كأحد أجراءك" لم يكن متضعاً بل كان صادقاً في التعبير عن وضعه الساقط.
كما جعلته خطاياه أسير للشكوى، في بلد لا يعرف فيها أحداً من الناس ولايوجد له فيها أب يسمع لشكواه.
وحتى حينما اشتكى، تحت أنين الجوع والحاجة، لم يجد من يسمعه من أصدقاءه الزناة الذين بددوا أمواله في الإثم.
لم يجد مع يسمع شكواه سوى رجل يرجو منفعة لذاته، يرجو رعاية لخنازير لا لخراف.
فلم يعد مؤتمناً على رعاية خراف، فالخراف لا تسمع إلا للراعي، أما الخنازير فها الآجير.
جيد ما قيل: "إن الشكوى لغير الله مذلة"، فنحن نشكو لله لأننا نناديه "يا أبانا".
كذلك جعلته خطاياه يشتهي ولا يملك.
حتى في اشتهائه لم يشتهي شيئاً يليق حتى بانسانيته، بل بدأ يشتهي طعام الخنازير "فلم يعطيه أحد" وكانت هذه قمة المأساة في ضلال الابن!
فالابن الذي كان كل طلب يطلبه من أبوه مُجاب يطلب في ضلاله لا شيئاً كمالياً بل يطلب ملء بطنه، لا بطعام انسان بل بطعام خنازير، ومع كل ذلك الامتهان لا يعطيه أحد!!
هذه هي نهاية قصة الخطية في حياة كل إنسان، تبدأ معه بريق لامع، ويخضع الإنسان لزيف هذا البريق، فيميل نحو الخطية، وترتب له الخطية لذة مبكرة في ضلالة تزيد بها انحرافه نحوها، وعندما يتذوق الإنسان لذة الموت هذه مرةً وراء أخرى، تتحول فيه إلى عادة يصبح بها الإنسان عبد عادة أو أجير شهوة ... وعندئذ يطلب الإنسان الخطية أما هي فتذله ولا تعطيه ما منحته أولاً!!
بينما تخلت عنه خطاياه ولم تعطه حتى ما اتضع في اشتهاءه، نجد ناقوس التوبة يدق!
دقت التوبة ناقوسها في مسامع ساقط يشتهي ولا يملك. دقت التوبة في ذات اللحظة التي تعلن الخطية في الإنسان الساقط اليأس والفشل. فمثل هذا الابن، وفي واقع صراعه الداخلي العنيف وشهواته غير المُشبعة، فريسة سهلة في فرصة مواتية تتمم خلالها الخطية هلاكه للموت الأبدي!
لكن التوبة، في دوامة هذا المنظر الصعب، تعلن صوت الرب يسوع الذي جاء "يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21) والذي ينادي: "جئت لأطلب وأخلص ما قد هلك" (لو 19: 10) .
إن يسوع يتوب ما قد هلك فعلاً، فهو الذي يقدر أن يغير واقع الهلاك إلى فعل الخلاص، وهو الإله القادر وحده أن يحول واقع الموت إلى تطلعات الأبدية.
أتى يسوع يطلب خلاص ما قد عجزت البشرية قطباء عن صنعه، إذ وهو خالق الإنسان يستطيع أن يعبره وادي الهلاك إلى قمم الحياة الجديدة باطنياً وسلوكياً.
يعجبني منظر الفخاري، الذي من قشف متكسرة لا منظر فيها ولا جمال يبدع بيديه أوان جديدة تصنع لمسات الجمال في بيت الإنسان.
إنه مثال سيدنا يسوع الذي جاء يطلب النفس التي صارت حطاماً، والإنسان الذي مزقته صراعات الخطية: صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا" (1تي 1: 15).
جاء يطلبك يا عزيزي الإنسان حتى ولو كانت بصمات الخطية قد أفقدتك ملامحك الروحية الإنسانية. ومهما تكن سقطاتك، ومهما تكن صراعاتك مع الخطية فيسوع واقف بالتوبة يعلن الرجاء والخلاص من الخطية..
فاتح لي أحضانك...
تعلن لي حنانك...
لما أعترف وأتوب...
تغفر لي كل الذنوب...
بارك وأعلن شخصك...
عزينا بروح قدسك...
"أنظر التكملة"
Synaxarium


