الابن الضال - 2
من كتاب توبني يارب فأتوب - للقس يوسف أسعد
Posted on: Tue, 23 Feb 2010 - 04:51 PM, Modified on: Sun, 05 Sep 2010 - 11:04 AM, Viewed: 30
ربنا يسوع المسيح الذي يقدم التوبة للإنسان رجاء للخلاص من خطاياه لا يفعل ذلك بالقوة، بل في هدوء السائل وبطرقات المُحب يقرع فقط: "ها أنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ 3: 20)
إنه يقرع، وعلى التائب أن يسمع قرعاته ويميل أذنه لسماع ذلك الصوت. وللإنسان مطلق الحرية في قبول السمع أو رفضه.
لعل لذلك يصلي الأب الكاهن قبل قراءة الإنجيل كنسياً قائلاً: "فلنستحق أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة".
وهذا هو عمل الكنيسة في إعلان التوبة: "إنها تقرع فقط، في عظات روحية بانية، أو في كتابات روحية وتعاليم آبائية، أو في إرساليات مبشرة ... تقرع، وكأن أجراسها التي تدق مع كل خدماتها تعلن نداء حب المسيح للتائبين وشغف الكنيسة على لقائهم.
ما أجمل كلام اليهو بن برخيئل البوزي وهو يتحدث عن الله إذ قال: "هوذا الله عزيز ... يفتح آذانهم للإنذار ويأمر بأن يرجعوا عن إثمهم. إن سمعوا وأطاعوا قضوا أيامهم بالخير وسنيهم بالنعم. وإن لم يسمعوا فبحربة الموت يزولون ويموتون ..." (أي 36: 5 ? 12).
إنه يقرع، ومن له أذان للسمع فليسمع ويفتح الباب بنفسه. إن الله يخلص من يريد أن يخلص.
وهو لا يخلص إنساناً من خطاياه رغم أنفه. إنه لا يستخدم أسلوب الإرغام في قبول الخلاص، لا لقصوره في ذلك فهو الله القادر على كل شيء، لكنه يكرم الإرادة الحرة في الإنسان ويكمل خلاصه برفع هذه الإرادة إلى مستوى إرادته الإلهية في خلاص كل أحد. وحينما تلتقي إرادة الإنسان بإرادة الله تتدفق ينابيع الخلاص لتشمل كيان الإنسان كله.
لقد قال سيدنا: "من أراد أن يكون لي تلميذاً فليحمل صليبه كل يوم.." (لو 9: 23)، وقال للمريض الذي أعياه القعود ثمان وثلاثين عاماً "أتريد أن تبرأ" (يو 6: 50) هذه الإرادة الحرة في قبول عمل الله الخلاصي قدمها موسى النبي حينما كانت العليقة متقدة بالنار وهي لا تحترق. إذ قال بملء إرادته :"أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" (خر 3: 3). وحينما مالت إرادته لله ناداه الله للتو: "اخلع نعليك" وأرسله لعمل مقدس سبق فأعده لخلاص شعبه.
+++
الابن ? بطبيعته البنوية ? يدرك إدراكاً كاملاً حنان أبوه وصدق رعايته، وهو الذي كان يدرك عن فهم عميق خيرات أبيه واتساع ثروته. ومع كل معرفته الدقيقة بأبيه، ضل بإرادته. مثل هذا الابن لم يسأل عنه أبوه ولم يرسل في أثره باحثاً أو هادياُ. إلى أن قدم الابن إرادة التوبة والخلاص إذ رجع إلي نفسه وفطن إلى ضلاله بنفسه. ثم بدأ سعياً جاداً يصدق به على إرادته إذ قال: "أقوم الآن وأذهب إلى أبي". وحتى حينما وصل الابن إلى هذا الحد من الإرادة المصممة على الخلاص لم يسأل عنه الأب ولا افتقده، إلى أن بدأت أقدام الابن تسلك سلوكاً جديداً نحو بيت أبيه وإرادة أبيه.
يا عزيزي: يا من عرفت الرب يسوع، وسمعت نداءه ... وقبلته مخلصاً وفادياً.
يا من عرفت محبته الأبوية الحانية، وأدركت فيض مراحمه المتدفقة المترفقة.
حينما تضل وراء خطية أو شهوة ردية بإرادتك فالله مخلصنا لن يسأل عنك ولن يرسل من يسأل عنك. ما لم ترجع إلى نفسك وتحس بعظم إثمك. ثم تضبط الإرادة فيك لتقوم نفسك عن أخطائها وتملأ وديان سقطاتك بينابيع دموع نادمة تائبة. وتخفض آكام كبريائك واعتزازك بأخطائك في تسليم وخضوع ليد الله العالية فوقك.
حينما تصنع ذلك، وأرجو أن تصنع كذلك، ستجد يسوع المخلص يخلصك من مرارة سقطاتك ويرد إليك بهجة خلاصك الأول.
هذا ما تجده واضحاً في تصرف الأب مع ابنه الذي أراد التوبة، ثم بدأ يحياها ... إذ في هذا السلوك التقوى الخاشع رآه من على بعد. فنزل ليتلاقى مع إرادته الجديدة واستقبله بفرح عظيم!
نزل ليستقبل ابن شاطر ...
Synaxarium


