Send to a friendPrinter friendly versionSend to a printer

فضائل الإبن الشاطر

من كتاب توبني يارب فأتوب - للقس يوسف أسعد

Posted on: Wed, 24 Feb 2010 - 06:22 PM, Modified on: Sun, 05 Sep 2010 - 09:50 AM, Viewed: 41

رجع إلى نفسه:

المراجعة أسلوب من أساليب النجاح في الحياة العامة، تلجأ إليه كل المؤسسات الناجحة على فترات زمنية محددة لحساب أرباحها وخسائرها.

وهي نقطة الانطلاق نحو حالة أفضل يرجوها الإنسان لنفسه.

إن النفس البشرية لها سلطان عجيب على الإنسان، يقبل منها توبيخها لأخطائه دون خجل وبصورة أفضل كثيراً من قبوله تأنيب الناس أو تهذيبهم.

ولقد عرف أبطال الجهاد قدر أهمية هذه البداية في جهاد التوبة.

قال إرميا "لنفحص طرقنا ونمتحنها ونرجع إلى الرب" (مرا 3: 40).

وبواسطة هذا المبدأ كشف الرب حقيقة رعايته لمار بطرس الرسول: "وقال بطرس وهو قد رجع إلى نفسه الآن علمت يقيناً أن الرب أرسل ملاكه وأنقذني ..." (أع 12: 11).

ولأن الإنسان أحياناً كثيرة يختار لنفسه المباديء على هواه الخاص، تكون إذن مراجعته لنفسه في ضوء مبادئه الخاصة مخاطرة قد لا تقود الإنسان إلى فعل التوبة الصادق.

لذا يراجع الإنسان نفسه على الحق الإنجيلي الذي يمحص المباديء وينقيها. هناك من يراجع نفسه على شريعة العهد الجديد في الموعظة على الجبل (مت 5 ، 6 ، 7) يومياً، وأحياناً أكثر من مرة في اليوم الواحد بعد كل سقطة، وأحياناً في نهاية الأسبوع أثناء الاستعداد لإعتراف أو التناول، أو في نهاية كل عام، أو قبل البدء في مشاريع تاريخية في حياة الإنسان مثل الزواج أو التكريس، أو في أيام ذكريات الميلاد.

إن القديسون يعتبرون ذلك عنصر حياة في الإنسان، حتى قال أحدهم "اليوم الذي لا تجلس فيه إلى نفسك وتعرف فيما أخطأت وفيما أصبت لا تعدده ضمن أيام حياتك". ومن الضروري أن ندرك أن المراجعة لا تشمل الخطايا ونواحي الضعف فقط، بل وأيضاً الصلاح الذي كان على الإنسان أن يصنعه ولم يتمه "فمن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له" (يع 4: 17).

إن اختيار الميعاد المناسب للمراجعة، والوقار في أثنائها، وسكب ما يتوصل الإنسان إليه مع نفسه في صلاة نادمة خاشعة تؤكد صدق الإنسان في طلب التوبة والخلاص.

ليس ذلك كل ما يفعله الإنسان وهو يراجع نفسه ... هناك أمر ثان.

1- اجتر

جيد أن يراجع الإنسان نفسه، ويرجع إلى موضع راحته. ولكن الذي ألهب قلب الابن أنه تذكر بيت أبيه الذي يمتليء بيته بالخيرات، ثم تذكر الأُجراء الذين يخدمون في بيت أبيه وهم يأكلون طعام العظماء ثم يفضل عنهم أيضاً ما ترعاه الطيور والحيوانات...

تذكر ذلك وقال "كم من أجير عند أبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعاً".

إن الذكريات المقدسة وسيلة نافعة لشحذ همم التائبين والكنيسة تكثر من هذه الذكريات سنوياً، لتظل مراحم الله وحنانه الدافق نبع دائم ينهل منه التائبين خلاصاً لأنفسهم.

بعد القيامة، قال الملاك للمريمات "... لكن إذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس أنه يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه" (مر 16: 7)، وقال هو بذاته لتلاميذه: "ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل" (مر 14: 28) لقد كان الجليل بذكرياته الروحية الدسمة ضرورة في حياة الرسل بعد ما انتابهم من ضعف وخيانة وإنكار وخوف وهروب من الرب يسوع ... لقد كان كافياً أن يكونوا في المكان الذي سبق فأعلن لهم فيه حقائق الخلاص والأبدية...

ياعزيزي، في لحظات رجوعك إلى نفسك أذكر إحسانات الرب معك، وأذكر يمينه القوية التي سندت ضعفك في محنات كثيرة...

أذكر ذلك وغيره، بكل التفاصيل... فهذه التذكارات كالريح تهب على قلب تحول من جذوة حب مشتعلة إلى فتيلة مدخنة تحتاج إلى يقظة جديدة.

2- قرر بنفسه قرار التوبة:

حالما تذكر وضع أبيه، وانكشفت حقائق نفسه أمامه، قرر بنفسه "أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له: "أخطأت يا أبتاه في السماء وقدامك ولست مستحقاً أن أدعى لك ابناً إجعلني كأحد أجرائك".

لم يحتاج إلى مبشر، أو مرشد في ذلك إلا نداء حاجته، لا للطعام فحسب بل وللحب الأبوي الصافي أيضاً.

إن الإنسان الذي يقدم توبة، لا يحتاج في ذلك لمعاونة إلا من داخله ومن صميم إحتياجه "لا يعرف الإنسان إلا روح الإنسان الساكن فيه".

والأبطال من التائبين هم الذين صنعوا بأنفسهم قرار التوبة، ولم تكن الظروف المحيطة بهم سوى عامل ثانوي فقط.

3- ثم وضع القرار موضع التنفيذ الجاد السريع:

لم يكن الابن الشاطر متهاون مع نفسه في تنفيذ قرار التوبة، ولم يكن كاذباً في صدق رغبته التائبة، ولم يلجأ إلى أسلوب الرياء القديم.

قال "أقوم" ثم "قام" فعلاً. قال: "أذهب إلى أبي" ثم "مضى إلى أبيه" فعلاً .. قال "أقول له: أخطأت" ثم قال له "أخطأت" فعلاً..

لقد استعاد الابن إرادته المسلوبة، ثم قدسها بتوبة جادة سريعة.

إن أخطر ما يتعرض له الإنسان التائب أن يقرر في لحظة ما قرار توبة، ثم يهمل في تنفيذه، أو يؤجله لحين آخر... إن صوت الله الذي دوى في كيانه لا يمكن أن يواجه بالاهمال أو التأجيل وإلا أصبحت خطية جديدة تحتاج إلى التوبة من أولى مدارجها. لهذا يقول الكتاب للذين يقررون التوبة: "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قبولكم" (مز 95: 7، 8).

لقد ظهرت التوبة الصادقة في حياة ذلك الابن الشاطر:

 في السلوك الجديد نحو أبيه، رغم حالته النفسية الممزقة، ورغم مظهره غير اللائق الذي يقابل به أبوه بعد أن بدد معيشته. ارتفع فوق هذا كله، وسار نحو أبيه مسيرة تحمل روح الصدق والجدية في توبته.

في اعترافه العلني الصريح بخطأه، ليس أمام أبيه فقط بل وأمام السماء أيضاً "أخطأت إلى السماء وقدامك".

وكان اقراره الصريح بخطأه دلالة على استرداد ارادته الضالة وسمة من سمات صدق توبته.

تأمل منظره وهو جاخل بيت أبيه يعلن خطأه، وقدام عبيد أبيه. أنه مشهد القمة في توبة الشاطر.

 في سرعة تنفيذ ما قد أقره بنفسه، في عدم مماطلة بل في تلهف نحو الحنان الأبوي والرعاية الصادقة في بيت أبيه.

إن السرعة ضارة في كل الأمور، إلا في فعل التوبة فهي أكثر العناصر إلهاباً لقلب الإنسان بالنقاوة الكاملة.

ختام:

هكذا كانت نهاية سارة لبداية مُرة، وهكذا تفرح قلوب المؤمنين المنتصرين والمجاهدين بعمل الله المتوب المبدل حال الإنسان للخلاص.

حقاً قال مار اسحق: "إيه أيتها التوبة ... يا من تجعلين الزناة بتوليين، وتجلين النوراني الذي علاه الصدأ" !..

كانت هذه قصة إبن ضل وتاب. فماذا عن أخاه الأكبر رفيق صباه في بيت أبيه؟!